هاجر النبي الكريم صلى الله عليه و سلم و صحابته الكرام و أتباعه، هروبا من الفتن و تخلصا من الاستهزاء و السخرية، كما كان لهجرته صلى الله عليه و سلم، هدفا اكبر و هو إقامة مجتمع جديد في بلد آمن، فتضافرت الجهود لتحصينه و رفعة شأنه من لدن كل مسلم يقيم في هذا الوطن الجديد، الذي سمي بمدينة رسول الله، و اختصارا بالمدينة، بعدما كان يسمى بيثرب..
لم يكن تأسيس وطن جديد آمن، بالأمر الهين، خصوصا ما كانت تعيشه المدينة من صراعات و أزمات..فكان من البديهي من قائد عظيم و هادي صادق أمين، صلى الله عليه و سلم، أن يحل هذه الأزمات و أن يخمد نيران الفتن و الضغائن.. فبدأ صلى الله عليه و سلم، أول خطوة في بناء المدينة الفاضلة التي ستغير العالم و التاريخ.. بدأ ببناء المسجد النبوي، مكان أداء الصلوات.. و ملتقى المسلمين، و مدرسة لتلقين تعاليم الإسلام و توجيهاته، و جمعية تجمع فيها مختلف القبائل التي كانت في جاهليتها تعيش الحروب و المشاحنات.. و برلمانا لعقد المشاورات و تنفيذ المهام و الواجبات.. و القاعدة الإدارية لشؤون البلاد و مشاريعها الضخمة.. كما كان هو المأوى الرحب لكل فقراء المهاجرين الذين لا مال لهم و لا أولاد و لا مأوى.. هذا مسجد رسول الله، المسجد النبوي، ذلك البناء الذي عضادتاه من حجارة، و حيطانه من اللبِن و الطين، و سقفه من جريد النخل، و عمده الجذوع، أما أرضه فهي رمال و حصى.. و كانت له أبواب ثلاثة.. كما بنيت بجانبه بيوت من حجر، و أسقفها من جريد و جذوع، و هي التي ستكون لأزواج النبي صلى الله عليه و سلم.. من هذا البناء المتواضع، ستشيد أسمى معاني البشرية و أرقى المعاملات الإنسانية، بقيادة أعظم إنسان صلى الله عليه و سلم..
بعد تشييد المسجد النبوي ، عمد الرسول الكريم صلى الله عليه و سلم، على تدعيم أواصر الأخوة بين المسلمين، فغير كل معتقدات الجاهلية و عصبياتها.. و أقصى فوارق النسب و اللون و الوطن، لتبقى الأفضلية للتقوى فحسب.. لقد فعل الرسول صلى الله عليه و سلم هذه الأفكار و لم يجعلها مجرد خطابات و أحاديث.. فاجتهد المسلمون في إتباع أوامر الله و رسوله الكريم.. فنسجوا لنا أروع الأمثلة في الإخاء و الإيثار و الصفاء و الود.. كذاك الأنصاري الذي قسم ماله مع أحد المهاجرين.. بل حتى أنه أهداه إحدى زوجاته بعد أن طلقها و أكملت عدتها.. و قصص كثيرة.. تجسد لنا حكمة الرسول صلى الله عليه و سلم.. الذي أيقن أنه لا وطن بلا حب و إخاء.. لا وطن بلا مودة و صفاء.. لا وطن بلا تلاحم و انسجام.. صلى الله على محمد صلى الله عليه و سلم..
بعد تزكية النفوس و تطهيرها من ضغائن الماضي و أحقاد الجاهلية.. كان و لا بد من ميثاق يضم كل هذه الأمور، و يجعلها قانونا يحترمه كل مؤمن، يعيش في المدينة المنورة.. فنص بنودا.. كلها تعرف المؤمن بما له و ما عليه اتجاه أخيه المؤمن.. بدأها بـأن المؤمنين و المسلمين من قريش و يثرب و من تبعهم فلحق بهم و جاهد معهم : أمة واحدة من دون الناس.. و ختمها ب : أنكم مهما اختلفتم فيه من شيء فإن مرده إلى الله عز و جل و إلى محمد صلى الله عليه و سلم.
لقد كان من اسباب انتعاش الإخاء و الإيثار و الحب بين الأنصار و المهاجرين، مرافقة الرسول الكريم لهم و قربه منهم، و كلماته المباركة الصادقة، التي ترفع المعنويات، فقد كان يقول لهم، مجسدا لهم المعنى الحقيقي للأخوة في الإسلام : يا أيها الناس أفشوا السلام، و أطعموا الطعام، و صلوا الأرحام، و صلوا بالليل و الناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام.. و كان يقول كذلك صلى الله عليه و سلم : لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه.. و قال أيضا : المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا..
أما في تشجيعه على الإنفاق فقد قال صلى الله عليه و سلم : أيما مسلم كسا مسلما ثوبا على عري، كساه الله من خضر الجنة، و أيما مسلم أطعم مسلما على جوع أطعمه الله من ثمار الجنة.. إلى آخر الحديث.. هكذا رفع الرسول الكريم صلى الله عليه و سلم المعنويات و ارتقى بالمجتمع المدني لأعلى المراتب.. و جعل سكان المدينة المنورة أفضل مثال، على مر التاريخ، للقيم و المبادئ و المعاملات الإنسانية..
بعد أن أرسى صلى الله عليه و سلم قواعد المجتمع الجديد، المجتمع الذي أصبح كالبنيان المرصوص.. المجتمع المنظم سياسيا الموحد عقائديا.. بدأ صلى الله عليه و سلم، في تنظيم علاقاته مع غير المسلمين، ليضمن الاستقرار و الأمان و السلام لكل من يحيى بالمنطقة.. فعقد معاهدة يحترمها المسلمون و اليهود، دون المساس بديانة الآخر، نابذا بذلك كل مظاهر التعصب و التغالي التي كانت سائدة في تلك الفترة.. و مشركا الجميع في رسالة إعمار الأرض و ازدهارها..
و لأن كل عمل ينفع الناس و يرتقي بهم.. لابد له من اياد تريد منعه و تحاربه.. راسل مشركو مكة قادة الأنصار في المدينة، في شخص عبد الله بن ابي مسلول و أمروه بقتال محمد و اصحابه، إلا أنه رفض القتال، لما وجد عليه اصحابه من رشد و تعقل.. لكنه ظل يغتنم الفرص و يستغل الظروف للإيقاع بالمسلمين بعضهم ببعض.. مستعينا باليهود.. إلا أن بصيرة النبي صلى الله عليه و سلم و حكمته التي غير بها نفوس الأنصار و طهرها.. و حد بها شر اليهود و غدرها.. أفشلت كل جهود عبد الله بن أبي مسلول.. أكبر منافقي المجتمع المدني..
علم الرسول الكريم صلى الله عليه و سلم، بمكائد قريش، و تواصلها الدائم بمنافقي المدينة، فسهر الليل.. و حرسه أصحابه، إلى أن نزلت الآية: و الله يعصمك من الناس.. ليطمئن قلب الحبيب صلى الله عليه و سلم، و يخاطب أصحابه قائلا : يا أيها الناس، انصرفوا عني فقد عصمني الله عز و جل..
بعد هذا الخطر الكبير الذي بدأ يتربص بمدينة رسول الله، أنزل الله جل و علا في كتابه المبين : أُذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا، و إن الله على نصرهم لقدير.. ليكون بذلك إذنه جل و علا للقتال.. لتبدأ مرحلة جديدة و عهد جديد في التاريخ الإسلامي.. أذن الله للمسلمين بالقتال لأنهم أصبحوا أكثر استعدادا لتحمل مسؤولية الدفاع عن الإسلام و عن رسول الإسلام صلى الله عليه و سلم.. بعدما أمرهم في السابق بالخروج من مكة متخفين و هاربين..
أمين المجد
المراجع : كتاب الرحيق المختوم
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire