vendredi 18 décembre 2009

مدرسة.. مسجد.. و لعنة الدنمرك





يحكى أن أحد التجار الكبار.. أراد أن يبني مشاريعا خيرية و بعد استشارة القائمين
على أمر البلدة.. نصحوه بأن بيني مدرسة و مسجدا.. لأن هذين المشروعين تحتاجهم البلدة بشدة.. و بالفعل بدأ استعداداته لتشييد المدرسة و المسجد.. لكن في ليلة وصله خبر عاجل يطلب منه السفر لإحدى الدول حتى يتابع إحدى مشاريعه الضخمة هناك.. لم يستطع تاجرنا أن يتخلى عن عمله الخيري كما لن يقدر على أن يترك أمواله تضيع بتلك البلاد.. فذهب عند أحد الشباب من آل بيته و ممن يثق فيهم.. و سلمه كل أوراق مشاريعه الخيربة.. و مده بما يلزم من المال و من التراخيص التي تمكنه من التعامل بشكل قانوني مع المشاريع.. و سافر السيد محمود.. على أمل أن يعود في أقرب فرصة ممكنة.. بإذن الله..



أحس سليم بالمسؤولية التي وضعه فيها عمه محمود.. و دعا من الله أن يوفقه في اكمال المشاريع بصورة ترضي الله أولا و ترضي عمه و الجميع..


و بدأ بالتعاقد مع إحدى المقاولات الضخمة.. و جلس معهم على طاولة المناقشات.. و لذكائه و قوة شخصيته استطاع سليم التعاقد مع كبار المقاولين بالبلد لتشييد المشروعين معا.. و بثمن مناسب جدا.. و بوقت وجيز..


و بدأوا على بركة الله العمل و البناء.. و بعد ايام بدأت عملية حفر المكان الذي ستقام عليه المدرسة.. على أن تكون الجهة المقابلة مكان المسجد.. الذي سيكون أكبر مسجد بالبلاد كلها..


كل الأمور تمشي على ما يرام.. و العم محمود يتصل باستمرار.. و سليم بسعادة كبيرة يبشره بتقدم العمل بوثيرة مسرعة و تدعو للارتياح..


ذات ليلة.. و بينما سليم يتابع كعادته علبة الرسائل الالكترونية و إذا به يقرأ خبرا مستفزا مفاده أن إحدى الصحف الدنمركية نشرت رسوما مسيئة لإسلام و للرسول صلى الله عليه و سلم.. لم يكمل سليم قراءة المقال.. و بدأ على الفور يتصل و يسأل.. لقد أمضى الليل كله يبحث مع أصدقائه على النت و على الهاتف مختلف السبل التي ترد للإسلام و للرسول الكريم كرامته و قيمته .. فاتفقوا على وسائل عدة.. منها ارسال الرسائل إلى السفارات و القنصليات و الحكومات و المنظمات.. و منها كذلك المقاطعة الاقتصادية للمنتجات الدنمركية.. مضى الوقت بسرعة و بدأت عقارب الساعة تدنو من الثامنة صباحا.. و سليم لازال ينقر هنا و هناك.. لدرجة أنه نسي موعدا مهما مع مسؤولي شركة المقاولات لتدارس جديد المشاريع و حتى يمدهم بالتراخيص اللازمة حتى يستكملوا العمل.. رن الهاتف.. و حسب سليم انه أحد أصدقائه يريد أن يتابع معهم حملة رد الاعتبار للإسلام.. لكنه كان مدير العلاقات بشركة المقاولات.. يريد أن يستفسر عن أمر الاجتماع و ما إذا كان قد ألغي أم أنه سيتأجل.. فوقت المسؤولين محسوب بالثانية.. و على غير عادته اعتذر سليم بأعذار كاذبة.. و طلب من مدير العلاقات تأجيل الاجتماع لموعد لاحق.. هذا الأخير نبه سليم على أن كل المشروع سيتوقف إلى حين اقامة الاجتماع.. فلابد من التراخيص.. و لابد من أن يمضى سليم على أوراق المشروع و بنائه.. أغلق سليم الهاتف.. و أطفأه بالمرة.. لا يريد شيئا يشغله عن مهمته الجديدة العاجلة..


إنه اليوم السابع.و سليم يتنقل من مظاهرة لأخرى.. و من مدينة لأخرى.. منددا بما قامت به الصحيفة الدنمركية.. و يغضب و يثور و يتوعد.. الذي يشاهد سليم الآن.. لن يصدق أنه ذاك الشاب الواثق من نفسه الذي يجلس مع كبار المسؤولين لتدارس المشاريع الخيرية الضخمة..


مرت عشرة أيام.. و عاد سليم لمنزله.. و في طريق عودته لم يلمح خيم شركة المقاولات و لا معداتهم و آلاتهم الضخمة.. نزل مسرعا للبيت يسأل عن ما يحدث.. فوجد أباه طريح الفراش.. و أمه قد حضنت أخويه في حسرة وخوف.. لقد تركهم سليم بلا مصاريف الأكل و الشرب و الدواء.. قصد أمه و قبل رأسها.. طالبا منها أن تسامحه.. و خرج راكضا نحو المركز الصحي حتى يجلب الدواء لوالده... لم يحدث أحدا.. فقط وضع ورقة الأدوية على الطاولة.. ثم أخذ الأدوية بعد أن دفع ثمنها و عاد مسرعا لبيته و لوالده طريح الفراش.. ثم خرج ثانية قاصدا السوق.. أخذ دراجته التي غطاها الغبار .. و راح مسرعا.. لقد أدخلته هذه الأحداث في دوامة مخيفة.. جعلته مغيب الذهن.. مشتت الأفكار.. تنهال عليه الأسئلة المحرقة.. و تسيطر عليه الظنون و الشكوك.. أخذ ما تحتاج إليه أسرته من قوت و شراب.. و عاد متأرجحا على دراجته الهوائية.. و الظلام بدأ يرمي أغطيته الشديدة السواد.. دخل وضع سلة الحاجيات.. و قصد غرفته..


في صباح اليوم التالي.. خرج سليم باكرا من البيت.. و في عينيه تستقر ألوان الأرق و التعب.. ذهب يسأل حارس الأرض التي ستقام عليها المشاريع.. فأخبره أن الشركة و عمالها انصرفوا و تركوا له هذه الورقة.. فتح سليم الورقة و بدا يقرأ :


ببالغ الأسف.. تعلن شركة التقدم للمقاولات.. عن انسحابها المطلق من مشروع بناء مسجد الهداية و مدرسة النماء.. و ذلك لإخلاء الطرف الثاني السيد سليم الحاج بشروط العقد المبرم.. بحيث أن من شروط العقد الالتزام بالوقت المحدد الذي لا يتجاوز 48 ساعة لاستكمال متطلبات العمل و السير الصحيح للمشروع.. و عليه فالشركة تطالب بمستحقاتها و بالتعويضات المادية جراء الضرر الحاصل عن تعطيل نشاطاتها.. و بعد أسبوع من تاريخ هذا الإشعار.. و في حالة عدم توصلنا بكافة مستحقات الشركة سنكون مضطرين لرفع شكوى قضائية.. حتى يتم الحسم في الأمر...


أكمل سليم هاته الأسطر بمرارة كبيرة.. و أمسك برأسه .. و أحس أن الأرض ضاقت عليه بما رحبت.. و بعد بضع دقائق.. نهض و عاود المسير لبيته.. لم يعد يدرك ما الصواب ؟ و ما الحل ؟ و ما كل هذا الذي حصل ؟


و في خضم هذه الحيرة يطرق الباب.. و إذا به شيخ البلدة.. دعاه سليم للدخول.. و جلسا بغرفة الضيوف.. لقد بدا على شيخ البلدة علامات الضيق و الغضب.. و استفتح كلامه قائلا : أين كنت ؟ و ما الذي أقدمت عليه ؟


ماذا سنقول لاصحاب الشأن ؟ لقد أرسلنا إليهم برقيات رسمية نخبرهم فيها عن أننا بدأنا تشييد المدرسة و المسجد ؟ لقد ضيعتنا ؟


انحنى رأس سليم في استحياء و خجل.. ثم ردد يقول : سأتعاقد بالغد مع شركة أخرى.. تستأنف العمل.. و إن شاء الله كل شيء سيمر بخير..


لا تفعل شيئا.. لقد اتصلت بمن وضع ثقته بك.. أظن أن طائرته ستأتي في غضون ساعات من الآن..


لقد اهتز قلب سليم اهتزازا.. و صرخ يقول : هل العم محمود علم بالأمر ؟ شكرا سيدي الشيخ.. هذا ما كان ينقصني.. نعم نعم هذا ما كان ينقصني


و ماذا تريدني أن أفعل ؟ أرى شابا مستهترا يريد تضييعنا و تضييع جهودنا و اسكت ؟ هكذا خاطبه الشيخ.


أنا مستهتر ؟ يستحسن بي أن اصمت حتى تبقى صورتي لديك طيبة.. المهمة سنكمل حديثنا بعد أن يصل العم محمود


قام الشيخ و بدون أن يصافح سليم.. غادر الغرفة و من ثمة غادر البيت..


و مع غروب الشمس.. سمع سليم الجالس في شرفة المنزل.. صوت سيارة.. ثم لمح أضواءها.. ليتأكد أنه العم محمود.. نزل عنده مسرعا.. و أخبر والدته و أباه أن العم محمود قد وصل..


فتح الباب.. فإذا بالعم محمود ينادي عليه بيده.. اتجه سليم بخطوات قلقة مسرعة نحو سيارة عمه.. صعد.. سلم عليه.. ثم صمت.. ليكسر عمه هذا الصمت.. قائلا :


أين هو العمل الذي طلبته منك؟ لم أجد سوى حفرة عميقة.. لا تصلح لشيء سوى لمقبرة جماعية.. مقبرة بدل مدرسة.. كيف فعلت هذا بي ؟ كيف خنت الثقة التي وضعتها فيك؟ و فضلتك على أبنائي و على كبار الناس بالبلدة ؟


و هنا بدأ سليم يحكي و الدموع تسيل من عينيه.. بعدما كانت قد تجمدت بعد كل تلك الأحداث التي مر بها.. أنتم لا تعرفون شيئا ؟ و الله لا تعرفون شيئا ؟ لقد أساؤوا للإسلام ؟ لقد أساؤوا لمحمد صلى الله عليه و سلم..


من هؤلاء الذين أساؤوا له ؟ الدنمرك.. ؟ قاطعه عمه..


اسمع يا ابني سليم.. إن من أساء لمحمد صلى الله عليه و سلم هو أنت.. و اسمح لي أن أقولها لك.. إن من أساء للإسلام هو أنت.. حينما تهمل مسؤولياتك و أولوياتك فأنت من يسيء للحبيب المصطفى.. سأبسط لك كل هذا..


تخيل معي لو أكملت عملك دون الالتفاتة لأقوال الغير.. و أكملنا المدرسة.. و المسجد.. و بدأت ترى أفواجا من التلاميذ يقصدون المدرسة و أفواجا من المسلمين يقصدون المسجد.. أليس هذا أمرا يحبه الله و رسوله.. إن الفعل أكبر نفعا من ردة الفعل.. و الإسلام عزيز و محمد صلى الله عليه و سلم كريم عظيم.. فبالله عليك يا ابني سليم أخبرني ماذا استفدت من هجمتك على الدنمرك ؟ لقد خسرت أشياء.. و كدت تخسر أشياء.. لم يكن يوما الدفاع عن الإسلام بهذه الصورة.. فالدفاع الحقيقي يتمثل في نفعك للناس و كسب احترام الناس.. انظر الآن.. لقد سقطت في أعين أناس عدة : أولهم والديك.. ثم أخوتك.. ثم مسؤولي الشركة.. ثم شيخ البلد.. ثم... أنت حددت مفهوما خاطئا لمعاني النصرة و الدفاع عن الإسلام و مقدساته.. فأرجو أن تعلمك هذه الأحداث التي تعرضت لها كيف تنصر دينك و نبيك.. اذهب الآن.. توضأ... و الحق بي عند شيخ البلد حتى نجد حلا لهذه المشكلة..


Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire