معركة الزلاقة
كان لسقوط طليطلة التي حكمها المسلمون 372 عاما، في يد النصارى و يد ألفونسو ملك قشتالة، صدمة عظيمة، و خسارة كبيرة، جعلت شوكة النصارى تتقوى، و اصرارهم على هزم المسلمين و الإسلام يكبر.. فاحتلوا القلاع و الحصون، و توحدوا جميعا بعد سنوات من التفرقة و الصراعات.. سقوط طليطلة كان أبرز دافع لصحوة النصارى و تجديد أملهم في مسح الوجود الإسلامي من الأندلس.. كما كان لسقوطها وقع سلبي على الدويلات المسلمة المنتشرة بالأندلس.. حيث أخذهم حب الحياة و كره الموت و حتى إن كان شهادة، لدفع الجزية و للانصياع لأوامر و توصيات ألفونسو و النصارى.. فعاشوا في هوان و ذل و خيبة الرجاء.. و في خضم هذه الأيام الضنكا التي عاشها المسلمون في شتى أرجاء الأندلس، استفاق المعتمد ابن عباد، أمير إشبيلية، و أحس بتأنيب الضمير لما لحق بإخوانه المسلمين من عار جراء مساعدته لألفونسو في حربه ضد طليطلة و بني النون.. فعقد العزم على أن لا يعاود الخطأ مجددا.. فأرسل لكل أمراء الأندلس، و اجتمع بهم، ليتفقوا جميعا، على أن يستنجدوا بأمير عادل شهم، امير يحب الجهاد في سبيل الله، و نصرة دين الله.. أمير يدير زمام الأمور بحكمة و قوة و صبر.. إنه أمير المسلمين، الذي تفنن في الفتح و الزعامة.. الأمير الزاهد يوسف بن تاشفين المغربي.. رجل أدى أمانة الاستخلاف على مدينة مراكش،في عهد السلطان أبي بكر زكريا، فأصبح سلطانا من سلاطين المرابطين، و في كلمات السلطان أبي بكر زكريا ما يصف لنا عظمة يوسف ابن تاشفين : " أنت أخي و ابن عمي، و لم أر من يقوم بأمر المغرب غيرك، و لا أحق به منك، و أنا لا غناء لي عن الصحراء، و ما جئت إلا لأسلم الأمر إليك، و أهادنك في بلادك، و أعود إلى الصحراء مقر إخواننا، و محل سلطاننا.. "
يوسف بن تاشفين الزاهد العابد الصوَّام
يوسف بن تاشفين الشغوف بالفتح و إعلاء كلمة الإسلام.. لقد استنجدوا به، رحمه الله، لأنهم يدركون جدا أنه الوحيد،بتوفيق الله، القادر على هزم جبروت النصارى و تكبر ألفونسو.. ليس لكثرة ماله و جاهه و عتاده.. لا و الله ، بل لأن إيمانه كان اقوى.. و عزيمته أشد.. و تعطشه أكبر للجهاد و التضحية في سبيل الله.. لقد كان رحمه الله زاهدا عابدا يأكل قليلا و يصوم كثيرا.. حتى أن أغلب الكتب التي تحدثت عنه، رغم قلتها، تجدها تستعمل كلمة صوّام، لكثرة صيامه رحمه الله، و كان طعامه خبز الشعير، و لحم الشاة، و لبن الناقة..
إن رعي الجمال خير من رعي الخنازير
راسلته جل دويلات الأندلس المسلمة، موقعين في رسالة خطية يطلبون النجدة و المساعدة العاجلة.. و من بين ما جاء في رسائل المعتمد مستنجدا بالأمير الملثم : " إن كنت مؤثرا للجهاد فهذا أوانه، فقد خرج الأذفونش إلى البلاد، فأسرع في العبور إليه.. " فوافق يوسف بن تاشفين و قبل بمساعدة إخوانه المسلمين، فاجتمع مع الفقهاء و العلماء بمراكش، للتشاور معهم و لأخذ موافقتهم، فهو يؤمن حقا، بمشورة الجماعة و أخذ رأيهم، و ما كان ليأخذ رأيا أحاديا باعتباره الوالي و الأمير.. فبارك له الفقهاء و العلماء نصرة إخوانه في الأندلس.. فاشاروا عليه أن يجعل من الجزيرة الخضراء حصنا له، فأرسل للمعتمد مبلغا إياه شرطه الوحيد، المتمثل في استلام مدينة الجزيرة الخضراء لدخول الأندلس و محاربة النصارى.. فقبل المعتمد شرطه، رغم التحذيرات التي سمعها من معاونيه و مستشاريه، و الذين جاوبهم قائلا : " تالله إنني لأوثر أن أرعى الجمال لسلطان مراكش، على أن أغدو تابعا لملك النصارى، و أن أؤدي الجزية، إن رعي الجمال خير من رعي الخنازير.. " و سلم المعتمد الجزيرة الخضراء للمرابطين.. قائلا لابنه : " أي بني، و الله لا يسمع عني أبدا أنني أعدت الأندلس دار كفر، و لا تركتها للنصارى، فتقوم علي اللعنة في منابر الإسلام مثل ما قامت على غيري . "
التحرك نحو الجزيرة الخضراء :
اتجه القائد العظيم و جيشه نحو سبتة، و من ثمة عبروا البحر نحو الجزيرة الخضراء.. و يوسف ابن تاشفين يدعو الله و يقول : "" اللهم إن كنت تعلم أن في جوازي هذا خيرا و صلاحا للمسلمين، فسهل علي جواز هذا البحر، و إن كان غير ذلك فصعبه حتى لا أجوزه ""
فسهل الله تعالى عبوره البحر و دخل يوسف بن تاشفين الجزيرة الخضراء، ليصلي فيها الظهر، و استقبله أهلها كما يستقبل الأبطال، فقد سبقت سمعته الطيبة و أخلاقه الحميدة وصوله بمدة طويلة..
تحصنت الجزيرة الخضراء كما يجب، و ارتفعت بها أعلام التوحيد و الإسلام، لا تسمع فيها رقصا و لا صراخا، سوى طبول تهز القلوب و توقظ الهمم.. و وصل الخبر العظيم لألفونسو، فارتبك خائفا، و طلب نجدة كل أوروبا و كل من يكره الإسلام و المسلمين، و بالفعل، و بمباركة الكنيسة بروما، أتأت الامدادات و المساعدات و الجيوش، فقد اصبح الأمر مقدسا للنصارى، فجندوا صغارهم قبل كبارهم.. و لما نظم الملك المغرور جيشه صاح مفتخرا : "" بهذا الجيش ألقى محمدا و آل محمد و الإنس و الجن و الملائكة "" إنه الكفر و الحقد و الغرور الذي تملك ألفونسو و كأن الكثرة و التسلح الوفير كفيلان بالفوز في الحرب..
الأخوة الصادقة في الله و الإخلاص لله
قابل المعتمد، يوسف بن تاشفين بحصن الجزيرة الخضراء، حاملا له الهدايا الكثيرة، و فاتحا له ذراعيه لعناق أخوي في الله و عهد دائما على التعاون و النصرة..
التخطيط الحربي عند يوسف بن تاشفين
اتجه يوسف إلى اشبيلية بعدما أكمل تحصين و ترميم أسوار و مداخل الجزيرة الخضراء.. و على طول مسيرته، قابله الأندلسيون بكل حب و فرح و سرور، متوسمين فيه الخير و العزة.. فلبث بحاضرة المعتمد ثلاثة أيام، كلها للتخطيط و التفكير و من ثم البدء بقتال النصارى، ، فراسل ملوك الأندلس للجهاد في سبيل الله. و بالفعل كانت الاستجابة.. فبادروا بالالتحاق بالجيوش.. و واصل يوسف بن تاشفين مسيره بعدما استجمع جيشه.. الى أن حط رحاله بسهل الزلَّاقة، سهل قرب بطليوس (بداخوث بالاسبانية) على الحدود مع البرتغال.. فنظم الصفوف و فرق الجيش إلى مقدمة كل أفرادها من الأندلسيين بقيادة المعتمد بن عباد، و ميمنة يقودها المتوكل بن الأفطس، أمير بطليوس، و وضع بالميسرة أهل شرق الأندلس، و بقية الأندلسيين جعلهم في الساقة.. بينما الجيش المرابطي فكان 3 فرق فريق الفرسان بقيادة الفارس العظيم داود بن عائشة، فريق الحشم بقيادة سبر بن أبي بكر، و فريق مع حرس الأمير يوسف بن تاشفين القائد العام للجيش الإسلامي..
كان تمركز الأندلسيين أمام النصارى مباشرة.. بينما تمركز الجيش المرابطي خلف ربوة، يتابع الأحداث و ينتظر الفرص..
مكر ألفونسو و حدس المعتمد
و قبل الدخول في الحرب و سفك الدماء، عرض يوسف بن تاشفين، قائد الجيش الإسلامي، على ألفونسو قائد النصارى، ثلاثة خيارات :
الدخول في الإسلام.. أو إعطاء الجزية.. أو التهيؤ للقتال.. و لتعنته و تكبره، اختار هذا الملك المغرور أسوء اختيار.. و هو القتال.. و خاطب رسول يوسف بن تاشفين قائلا له : " قل للأمير لا تتعب نفسك أنا أصل إليك، و إننا سنلتقي في ساحة المعركة.."
و لأنهم يحبون الغدر و المكر، أرسل الملك المخادع للمسلمين رسولا يقول لهم : "" إن بعد غذ الجمعة لا نحب مقابلتكم فيه لأنه عيدكم، و بعد السبت يوم عيد اليهود، و هم كثير في محلتنا، و بعده الأحد عيدنا، فنحترم هذه الأعياد، و يكون اللقاء يوم الاثنين.. ""
فلما سمع المعتمد بن عباد هذه الرسالة فطن لحيلة ألفونسو، و أشار على يوسف بن تاشفين قائلا :"" إنها حيلة منه و خديعة إنما يريد غدرنا فلا تطمئن إليه، و قصده الفتك بنا يوم الجمعة، فليكن الناس على استعداد له يوم الجمعة كل النهار ""
و بالفعل كان المعتمد ذكيا و فطنا لحيلة ألفونسو.. فبدا القتال يوم الجمعة..
بمهاجمات شرسة للنصارى على معاقل جيش الأندلسيين.. و لما احتدم الصراع، بدأت علامات الضعف تظهر على جيش الأندلسيين فأرسل يوسف بن تاشفين داود بن عائشة و فرقته لدعمهم، و بعدما اشتد القتال، و رغم تراجع النصارى و استحواذ المسلمين على مسافات كبيرة داخل المعركة.. أظهر الأندلسيون ضعفا و خوفا، وبدأوا يفرون و يهربون من المعركة، ليبقى جيش المرابطين و معهم قلة من أهل إشبيلية و قائدهم الشجاع المعتمد بن عباد، فضربوا و ضُربوا، و اسقطوا قتلى في النصارى، و سقطوا شهداء.. و بدأت السواعد تتعب، و السيوف تسقط، و الرماح تتكسر، و رغم ذلك استأسد المعتمد و ابن عائشة و من بقي معهم في لحظات رهيبة، لا يصبر فيها إلا العظماء و لا يقوى عليها إلا أصحاب العزة و الكرامة..
وَهْمُ ألفونسو
في قسوة الدقائق التي لا ترحم، أحس ألفونسو أن اليوم يوم نصره، و بدأ يفكر في أندلس بلا مسلمين و بلا مآذن.. بدأ يحس أنه الوحيد الذي قهر العملاق الإسلامي.. لكن اشتدي يا أزمة تنفرج.. و كان الفرج.. و هاهي فرقة سبر بن أبي بكر تقف أمام كل الأوهام الزائفة، و تضرب أعناق الكفر و الظلم.. و خلف ساحة المعركة، تحرك الجيش الأقوى جيش الأمير يوسف بن تاشفين، ليصل إلى معسكر العدو في واحدة من أدهى الحيل الحربية، فيدمر خيامهم و يبيد حراسهم.. و يستولي عليه.. تحت وقع الطبول و صوت الجمال، التي كانت و بلاشك تساهم بصوتها و جريها في زعزعة نفوس العدو، الذي امتلأ خوفا و ذعرا.. فتحول الفونسو الحالم، إلى ألفونسو المدافع على حياته، بعدما خسر كل شيء، رجاله و جيشه و معسكره.. فرجع إلى حصنه يتبعه جيشه، محاولا إنقاذ معسكره أو ما تبقى منه، فوجد في استقباله جيشا آخر من المرابطين بقيادة يوسف بن تاشفين.. فاشتد القتال بين الجيشين، و لحق بالمعركة مقاتلوا بني عباد و ابن عائشة.. فاصبح الفونسو بين قوتين، قوة يوسف و جيشه، و قوة جيش المعتمد و ابن عائشة.. في قمة القتال انضم الحرس الخاص بالأمير يوسف بن تاشفين إلى المعركة بأمر منه.. فكانت الضربة الموجعة للنصارى و ألفونسو الذي طعن بسيف في فخذه.. و فر هاربا مختبئا و منتظرا ظلمة الليل للانفلات من هذه القوة الإسلامية التي كسرت شوكته..
و عادت الأندلس المسلمة
و حل الليل، و انتهت المعركة بفوز عظيم للمسلمين، أسرى، و غنائم كثيرة، و بلاد مسلمة لأربعة قرون أخرى..
و في الفجر أدى المسلمون صلاة الصبح بسهل الزلاقة.. و نشروا خبر النصر بكل الأرجاء..
و أصبح من ذاك الحين يوم الزلاقة كيوم بدر.. يوم مشرق في تاريخ الإسلام و المسلمين.